السيد محمد حسين فضل الله

47

من وحي القرآن

بالواقع الذي كان يعيش فيه المسلمون القوّة بعد فتح مكة ، بينما كان المشركون يعيشون فيه الضعف كل الضعف ، فكيف نفسّر ذلك ؟ وقد نجيب على ذلك : أن القضية قد تكون واردة في معرض الإثارة التي تدفعهم إلى لون من ألوان الحماس الإيماني المنطلق من حالة الشعور بالقوّة ، كعنصر من عناصر تثبيت الموقف في نفوسهم . وربما كان هناك نوع من الخوف ، باعتبار أن المسألة في موضوع البراءة بدت لهم حاسمة شاملة لا تقتصر على فريق دون فريق ، بل تشمل المشركين كلهم في موقف مواجهة واسعة ، مما قد يوحي بالقلق لبعض المسلمين الذين يلتفتون إلى سعة التواجد البشري للمشركين في الجزيرة العربية ، الأمر الذي يوحي إليهم بالخطر الكبير . قتل المشرك وشفاء صدر المؤمن قاتِلُوهُمْ فذلك هو الأمر الحاسم الذي يلغي وجود الشرك كقوّة في الجزيرة العربية ، ويزيل تأثيره من النفوس ، ويدفع الناس إلى شجاعة الموقف الذي يدعوهم إلى الإيمان ، ولكن يمنعهم من ذلك خوفهم من المشركين ، يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ لأنكم تنفّذون إرادة اللَّه في جهادكم وقتالكم لهم ، وَيُخْزِهِمْ بهزيمتهم المنكرة المنتظرة أمامكم وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ بإيمانكم وثباتكم وجهادكم في سبيل اللَّه وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ في ما لاقوه من التعسف والاضطهاد والإذلال والتشريد من جماعة المشركين ، من أجل أن يفتنوهم عن دينهم . وقد ينبغي لنا أن نؤكّد على أن شفاء صدور هؤلاء المؤمنين لا ينطلق من عقدة ذاتية مكبوتة ، لتبتعد المسألة عندهم عن الأجواء الرسالية العامة ، بل ينطلق من حالة إيمانيّة عميقة لأنهم اضطهدوا وشرّدوا